تشيخوف والسيدة صاحبة الشيواوا

شريف عبد الصمد

تشيخوف في مصر. تنطلق الرواية من هذه الفرضية، ماذا لو أتى الأديب الروسي الأهم، أنطون بافلوفيتش تشيخوف، الذي يعد أيقونة القصة القصيرة في العالم، ليقضي فترة نقاهته الأخيرة في مصر. يختار له الروائي “شريف عبد الصمد” مدينة ساحلية صغيرة هي “بورسعيد”، وبيتا هادئا على الشاطئ، فهو لا يحب الاختلاط بالآخرين، كما يختار له جليسة فرنسية شابة تدعى ليلي، كثيرة الأسئلة وفاشلة في إعداد الطعام، تتبادل معه المناقشات الأدبية والسياسية أحيانا، التي كثيرا ما يسودها الخلاف، لكن ذلك لا يفسد جو المودة بينهما. يبني الكاتب روايته على الدراما الناتجة عن وضع تشيخوف داخل بيئة شديدة الاختلاف، فالعادات الشرقية التي تنظم اختلاط الرجال والنساء في هذه المنطقة هي ما تحكم علاقته بجيرانه، الصالون الأدبي يدفعه إلى المقارنة طوال الوقت بين الحركة الثقافية في مصر وفي روسيا، الحراك السياسي العنيف بين الشباب الثائر وقوى الاحتلال الإنجليزي يتسبب في احتكاكه بدوائر السلطة، بينما جنسيته الروسية تورطه أحيانا وتنقذه أحيانا أخرى. وفي وسط كل هذا يقف حاجز اللغة عائقا قويا عن الاندماج من ناحية، وعاملا مساعدا على إحكام عزلته من ناحية أخرى. بحسه الساخر يطرح الكاتب فرضية أخرى، من هو تشيخوف من وجهة نظر جمهور دولة أخرى بعيدة عن روسيا، وتنتمي إلى ثقافة مغايرة تماما للثقافة الأوروبية. ماذا يحدث إن حضر تشيخوف بنفسه ندوة أدبية تناقش إحدى قصصه. كيف يراه الأدباء المصريون، وهل تغلب على رؤيتهم المعايير الفنية أم الأخلاقية في مناقشة الأعمال الأدبية، أين يضعونه عند المقارنة بغيره من الأدباء الروس الكبار أمثال دوستويفسكي وتولستوي وجوركي، وكيف سيتقبل هو هذه المناقشة بين من يبدون إعجابهم به ومن يقللون من قدره. مع حرصه في كل الأحوال على بقاء هويته سرا، كأنه يرتدي طاقية الإخفاء.

الوصف

يستخدم الكاتب مقاطع قصيرة من أعمال تشيخوف في بدايات الفصول، في استحضار لصوت تشيخوف المميز قبل الدخول في رواية ما يمكن اعتباره “سيرة متخيلة” للأديب الروسي. ترتبط المقاطع ارتباطا نفسيا دالا مع طبيعة العلاقات وتطور الأحداث داخل كل فصل، كأنها تمنح نوعا من الإثبات أو الموافقة من تشيخوف نفسه على افتراض الكاتب لتصرفه عند وضعه في هذا الموقف أو ذاك، وعلى شعوره تجاه هذا الشخص أو هذا الحدث. أو كأنه تصور خاص بالكاتب شريف عبد الصمد يجعل من سيرة تشيخوف الأدبية وهذه السيرة المتخيلة خطين متوازيين. يرد في أحد المقاطع: “بدا أنه أراد أن يحكي شيئًا. فالناس الذين يعيشون وحدهم لديهم دائمًا شيء في قلوبهم يريدون الحديث عنه.” أنطون تشيخوف – قصة “عن الحب”. ربما يمنحنا المقطع السابق مفتاحا لفهم الغرض من كتابة الرواية، وسبب اختيار الكاتب لشخصية تشيخوف ليضعه في هذا الدور، وليحيطه بهذه العزلة، وليرصد التباين بين مواقفه وبين الظرف السياسي والاجتماعي السائد في هذا الوقت. يسود السرد الهادئ بإيقاعه المتوازن أجواء الرواية، كأنما ليناسب أجواء عزلة الكاتب تشيخوف ونقاهته في أيامه الأخيرة والتداعي المستمر لذكرياته. يقل الصخب كثيرا في أغلب الأحوال، ويستقر المناخ على الشاطئ إلا في فترات متباعدة تشتد فيها الرياح، وينسحب الصراع إلى هامش الأحداث ربما ليعكس تجنب تشيخوف المستمر للتورط في المشكلات. تبدأ الرواية بعدد ضئيل من الشخصيات يزداد تدريجيا مع تفكك دوائر العزلة التي أقامها حوله واختلاطه المتزايد بجيرانه ومن ثم بدائرة معارفهم القريبة. حتى تتعدى صلاته حدود الشاطئ والمدينة وربما البلد بأكملها دون أن يشعر. من الجائز اعتبار الرواية إعادة قراءة لحياة تشيخوف، مثلما يتم إعادة قراءة أعماله الخالدة من حين إلى آخر، أو رصدًا للحواجز الثقافية بين قارتين تعيشان في زمنين مختلفين رغم أنهما في نفس العام، وربما تعد تكريما أدبيا للأديب الكبير مثل تمثاله المقام في المركز الثقافي في الروسي في القاهرة، الذي يمثل مكانة هذا الكاتب الكبير، والثقافة الروسية التي أثرت الأدب العالمي.

معلومات إضافية

المؤلف

شريف عبدالصمد
من مواليد 1979، صحفي وكاتب . حاصل على الدكتوراه من جامعة برلين في التاريخ الأمريكي. صدر له كتابين: ”شيء من الماضي“ و ”ظمأ الليل“.

المراجعات

لا توجد مراجعات بعد.

كن أول من يقيم “تشيخوف والسيدة صاحبة الشيواوا”